محمد بن جرير الطبري

39

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

فمعلوم أن عبد الله لم يعن بقوله هذا : من قرأ ما في القرآن من الأمر والنهي فلا يتحولن منه إلى قراءة ما فيه من الوعد والوعيد ، ومن قرأ ما فيه من الوعد والوعيد فلا يتحولن منه إلى قراءة ما فيه من القصص والمثل ، وإنما عنى رحمة الله عليه أن من قرأ بحرفه ، وحرفه : قراءته . وكذلك تقول العرب لقراءة رجل : حرف فلان ، وتقول للحرف من حروف الهجاء المقطعة : حرف . كما تقول لقصيدة من قصائد الشاعر : كلمة فلان . فلا يتحولن عنه إلى غيره رغبة عنه . ومن قرأ بحرف أبي ، أو بحرف زيد ، أو بحرف بعض من قرأ من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ببعض الأحرف السبعة ، فلا يتحولن عنه إلى غيره رغبة عنه ، فإن الكفر ببعضه كفر بجميعه ، والكفر بحرف من ذلك كفر بجميعه . يعني بالحرف ما وصفناه من قراءة بعض من قرأ ببعض الأحرف السبعة . وقد : 42 - حدثنا يحيى بن داود الواسطي ، قال : حدثنا أبو أسامة ، عن الأعمش ، قال : قرأ أنس هذه الآية : ( إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأصوب قيلا ) ( 1 ) . فقال القوم : يا أبا حمزة ، إنما هي وأقوم . فقال : أقوم وأصوب وأهدى واحد . 43 - وحدثني محمد بن حميد الرازي ، قال : حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن ليث ، عن مجاهد أنه كان يقرأ القرآن على خمسة أحرف . 44 - وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن سالم : أن سعيد بن جبير كان يقرأ القرآن على حرفين . 45 - وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن مغيرة ، قال : كان يزيد بن الوليد يقرأ القرآن على ثلاثة أحرف ( 2 ) .

--> ( 1 ) سورة الزمر ، الآية : 6 . ( 2 ) جاءت هذه الفقرة في بعض النسخ هكذا : حدثنا ابن حميد قال : حدثنا حكام ، عن مغيرة قال : حدثنا يزيد بن الوليد أنه كان يقرأ القرآن على ثلاثة أحرف . ومنها يفهم أن المتحدث عنه ، وهو سعيد بن جبير المذكور في الفقرة السابقة ، هو الذي كان يقرأ على ثلاثة أحرف . وهذا هو الأقرب إلى الصواب ، ويعكس ما يفهم مما هنا ، والفقرة الآتية تؤيد رأينا . ( راجع تراجم سعيد بن جبير ويزيد بن القعقاع ويزيد بن رومان في كتاب طبقات القراء ) .